ثأرٌ مقدّس: كيف ينتقم الكتّاب باللّغة
ابتداءًا
في عالم تلاقت فيه الهويّات وتلاقحت اللّغات، لم توجدِ اللّغة لتكون مجرّد أداة للتّعبير والخطابات، ولا محضَ وسيلةٍ لتدوين الرّؤى والحكايات. إنّما اللّغة وطنٌ تسكنه الأرواح قبل الأجساد، هي صلة رحم بين الماضي والحاضر، حقلُ صراعٍ فلسفيّ بين الانتماء إلى الجذور والانفصال عن أدوات القهر. سياقٌ جوهريّ يربط بين الذّات والعالم، بين الحريّة والقيود، وبين الهويّة والآخر. وكيانٌ وجوديّ يختزل الذّاكرة، الهويّة، والتّاريخ.
وفي زمن الاحتلال، كانت الرّوح واللّغة يُغتصبان في آن، فتُردى الأرواح، وتذوب اللّغات في قاموس الآخر المستلِب. وفي خضم المعارك التّي قامت، اختار الذّين سلاحُهم القلم معركة اللّغة، معركةَ حياةٍ.. أو موت. فإلى أي حدّ يكون اختيار اللّغة تعبيرًا عن الحريّة وإعلانًا عن التحرّر، وكيف لها أن تستحيل إلى موقف أخلاقيّ؟
لعلّ أكثر المواضيع لذاذةً بهذا الصّدد هي تلك التّي عن «انتقام الكتّاب باللّغة» تتحدّث، أن يخوض الكاتب صراعًا مع اللّغة؛ لغةً تحدّثها لسنونَ وكانت هي لغة نشأته وتعليمه ولربّما شهرته، فيعيد تشكيلها ليحارب من خلالها، أو يختار طواعيّة دونما تخيير؛ الكتابة بلغة أخرى غيرها. ليس لشيءٍ سوى لكونها لغة المستعمر الظّالم الغِلّ. وهو ما يرتئيهِ كلّ راءٍ؛ أشدّ أنواع التّمرد السّياسيّ والهوياتيّ شجاعةً ونجاعة.
أولًا. كتّابٌ قطعوا وشائجهم بلغة المستعمر: وكيف نكتب عن المحتلّ بلغته؟
هم أولاكَ الذّين بعدما أَلِفُوا اللّغة، أَلْفَوْها ثقيلةً أينما حرّكوا القلم، لكأنّما قيدًا وخيمًا أثقله. هؤلاء تحدّثوا اللّغة بمُطلق الطّلاقة وكتبوا بها، ثمّ وجدوها منوطةً بطغيان المستعمِر وجبروته لا محالةً. فتولّد لديهم نفورٌ أخلاقيٌ أحالَ بينهم وبين الاستمرار في استخدامها، نافضينَ عنهم عجاجَ غبارها. ومعتبرين أنّ الكتابة أو التّحدّث -سيّانًا- بلغة المحتّل الغاشم؛ ليست إلّا اغترابًا للانسان في وطنه.
إيتيل عدنان: ”اللّغة ليست مجرّد كلمات، إنّها الوطن الأول والأخير.“
«إيتيل عدنان» الكاتبة والفنّانة السوريّة التّي اتخدّت قرار هجر الكتابة بلغتها الأمّ الفرنسيّة، عقب حرب الاستقلال الجزائريّة: ثورة التّحرير الوطنيّة التّي دامت سبعة أعوام ونصف مُذ (١٩٥٤-١٩٦٢)، والتّي جاءت أواخر استعمار عاسفٍ مستبدّ دام 132 سنةً. معتبرةً الكتابة بها خيانةً للضمير الجمعيّ، وانتهاكًا للأمانة البشريّة، وإئتمارًا للهيمنة الإمبرياليّة. لتتّخذّ عدنان بعدها من اللّغة الإنجليزيّة متنفّسًا أوسع لها، ولسانًا تعبّر به عن قضاياها السّياسيّ-انسانيّة، على غرار الحريّة والانفتاح.
رشيد بوجدرة: ”أكتب كي أُعيد الاعتبار للّغة الأمّ، للثّقافة المهمّشة، وللإنسان المغتصَبة هويّته.“
الكاتب الجزائريّ «رشيد بوجدرة» الأمازيغيّ الأصل، الذّي اُعتبر ولا زال قامةً ومقامًا من قامات الأدب الجزائريّ، ومقاماته. تميّز أدبه بالتّجريد والتّعقيد اللّغويّ، والتّحليل العميق للهويّة الجزائريّة من خلال الواقعيّة والأسطورة، عاكسًا بذلك توجّهاته الماركسيّة والوجوديّة وكذا تأثير الفكر الفلسفيّ. طرح وأجاب أسئلةً عن الزّمن، الحنين، والهويّة. في سردٍ متشعّب أقلّ ما قد قيل عنه أنّه كتابةٌ دواميّة. متبنيًا بين كلّ هذا وذاك؛ نزعة تمرديّة فذّة، انعكست في عودته إلى لغته العربيّة عقب استعادة وطنه، معتبرًا خيرَ اعتبارٍ لغة الضّاد.. وطنًا لغويًا مستعادًا.
نغونغي واثيونغو: ”فإذا فقدنا لغتنا، فقدنا ذاكرتنا الجماعيّة، فقدنا حريتنا.“
«نغوغي واثيونغو» أحد أبرز مفكّري وأدباء كينيا. الذّين جعلوا من اللّغة قضيّة سياسيّة وثقافيّة بحثة. في كتابه الشهير “Decolonising the Mind” (تفكيك عقل المستعمَر)، تحدّث فصدَق فقال: أنّ اللّغة ليست محايدة بل هي أداة استعماريّة، تغزو العقول فتُفرغ الشّعوب من ثقافتها الحقيقيّة. حينها قرّر نغوغي قطيعة اللّغة الإنجليزية وآثر الكتابة بلغته الأمّ ”كيكويو“، ولم تكُ فعلته تلك مجرد اختيار لغويّ بريء، إنّما كانت فعل مناهضةٍ جريء. مؤمنًا بأن التحرّر من براثن الاستعمار، يبدأ من استرداد الكلمة.
ثانيًا. كتّابٌ رفعوا لغة المستعمر سلاحًا في وجهه: من تحدّث لغة قومٍ، حرِب شرّهم.
هؤلاء ما هجروا لغة المستعمِر، بل اتّخذوا منها سلاحًا مشرَّعًا في وجهه الشّائن؛ أن أَطْلِق أنتَ، أُطْلِق أنا. كتبوا بها لا طاعةً او انقيادًا، بل مقاومةً واعتنادًا. فحوّلوا لغة من اجترؤا فسمّوا أنفسهم أسيادًا؛ مِن أداة تجرّد، إلى لغة تمرّد. ومن جسر تجبّر، إلى منبر تحرّر. حاملين على أكتاف لغتهم هموم الإنسان المستعمَر، ومعلنين تمرّد الحرف على منطق الاستعمار. ومؤمنين تمام الإيمان؛ أنّ الغلبة على العدوّ، تبدأ من انتزاع الكلمة من فمه.
آسيا جبّار: ”أكتب بالفرنسية، لأقول إنني جزائرية.“
«آسيا جبّار» ابنة الجزائر البارّة، وزهرة الغرب الجريحة. نزفت مدادًا بلغة المستعمر لا خنوعًا بل سلاحًا، ولا خضوعًا بل جناحًا. سبحت به في الجوّ فوق جراح النّساء والوطن، فاضحةً قبح المحتلّ في عريّه العنيف، ومعلنةً للبشريّة جمعاء أنّ للوطن المسلوب صوتًا لا يُسلب، وأنّه وإن كان بحوحًا؛ فإنّه جهورٌ قادر على أن يتحدّث، أن يثور، وأن يصرخ بقدره. مانحةً بذلك للحريّة صوتًا ولصوتها حياةً.. لا تموت ولا تفنى.
فرانز فانون: ”وآن للإنسان المستعمَر أن يتحرّر من قبضة الاستعمار، حتّى لو كتب بلغته.“
«فرانز فانون» ابن المارتينك الآتي من ضفاف المستعمرات البعيدة، اعتنق الفرنسيّة لا استسلامًا لسطوة المستعمر، بل إعلانًا صريحًا لحربه عليه. فجعل من لغة السيّد القديم جفنةً وسيعةً لصرخات المقهورين، ومن كلِمها ريحًا صرصرًا تسقط الأقنعة الزّائفة للمتحضّرين، ومن حرفها نارًا هشيمًا، تهدم أصنام العنصريّة الخفيّة خلف شعارات المتنوّرين. مؤمنًا أنّ على الشّعب المستعمَر أن ينتزع اللّغة من مستعمِره، لا ليقلّد؛ بل ليحرّر.
سامي القرشيّ: ”اللّغة سلاح مزدوج: إمّا أن تقتلك صامتًا وإما أن ترفع بها صوتك ساخرًا، وأنا اخترت السّخرية.“
ابن تونس الحرّة «سامي القرشيّ» الذّي مشى فلم يقف عند حدود اللّغة بل اقتحم أسوارها، ثمّ بعد؟ حوّلها إلى مرآة ساخرة تعكس مَلمح الاستعمار المشوّه السّمِج.
في نصوصه، كانت الكلمات تضحك بسخرية مُرّة، لكأنّ الفرنسيّة في يده جلدٌ يُجلد به الاستلاب بسَوطه هو، وصفعةٌ على وجهه بيده، وجرحٌ غائر في كرامته، بمحرابه. وقلم لا ينضب حبره ولا يجفّ، يوقّع به أبناء الوطن توقيعًا جديدًا لهويةٍ ترفض أن تُمسخ.
ثالثًا. كتّابٌ بمحراب لغتهم الأمّ احتموا: في لغتي الأمّ أنا ملك، وفي غيرها أنا عابر سبيل.
هؤلاء لم يساوموا يومًا في لغة الهويّة، ولم ينحنوا ثلث انحناءةٍ أمام إفك لغات المستعمِر المستوردة وزيغها، عالمين والعالم الله؛ أنّها لا تكثر على أن تكون بهتانًا وإثمًا مبينًا. فاعتصموا بلغتهم الوليدة اعتصام المؤمن بحبل الله، واحتموا بستارها احتماء الجنود وراء المتاريس، واعتنقوها حصنًا وحضنًا، غايةً ورايةً. واكتتبوا بحروفها المستبينات، ودماء شهدائهم الطّاهرات، أناشيدَ أقسموا فيها بحفظ الدّين، الهويّة، الوطن، وذلك الحلم الحُرّ البعيد.
محمود درويش: ”اللغة وطنٌ منفيٌّ في داخلي، أتشبّت بها كي لا أنقرض.“
«محمود درويش» ابن فلسطين الجريحة.. شاعرٌ حمل الكلمات كمن يحمل النّبال في مَلحةِ الغريم، وجعل من القصيدة موطنًا لا تُداس فيه الكرامة ولا تخيب. في كلّ بيت شِعر نظَمه، كان يردّد أنّ تحرير الوطن يبدأ من تحرير اللّسان النّاطق، وأنّ استعادته تكون أولًا وأخيرًا حين استعادة اللّغة المستلبة. أن لا حافظ للحلم في زمن القهر غيرها.
في إحدى قصائده الموزونة، يقول درويش:
”فلسطينُ يا نبضَ القلوبِ، وحُلمَها
تُضيئينَ في ليلِ الجراحِ عَلامَهْ
على أرضِكِ التاريخُ يشهدُ صابرًا
ويحكي عن الأمجادِ رغمَ ظَلامَهْ
هُنا قُدسُنا، والسُّورُ يشدو بالعُلا
وفي الأفق راياتُ العُلا تتسامى
تُقاومُ في وجهِ الأعادي حجارةٌ
وتسقي تُرابَ المجدِ صوتَ الشهامَهْ
سنكتبُ بالدمعِ النقيِّ حكايةً
ونزرعُ في صخرِ الجبالِ كرامَهْ
فلسطينُ.. يا أمَّ الزمانِ، وصبرَهُ
لَكِ الفجرُ آتٍ.. يُعيدُ ابتسامَهْ“
الطيّب صالح: ”أكتب بالعربية لأنّني أحلم بالعربيّة، وأرى العالم بعيني العربيّة.“
«الطيب صالح» ابن النّيل والسّودان، الكاتب الذّي أبى إلّا أن يتمرّد على الإنجليزيّة رغم إجادته لها، واحتفى بلغته الأمّ؛ لغة الضّاد، حصنًا يكتب فيه ومن خلاله، واصفًا إيّاها بمرآة الأرض ولسان الرّوح. لم يستسلم ولم يسلّم في آن، كرامته وقلمه لريح المحتلّ الغادرة، التي ما انفكّت تسعى لاقتلاع الجذور واستبدال اللّسان. في أدبه، كانت العربيّة أكثر من لغة حديث، كانت أعزوفةً دافئةً ذات رنين عتيق، يعزفها العربيّ ذو الأصل على جسر يصل القرى البسيطة بقلوب القرّاء في الوجود أجمع، فيُطرَب برنيمها السّامعون، ومن أبى فصمّ بكمّ، فهم لا يرجعون.
عبد الرّحمن منيف: ”حين نخسر لغتنا نخسر ذاكرتنا، وحين نخسر ذاكرتنا نصبح بلا ملامح.“
«عبد الرّحمن منيف» ابن الجزيرة العربيّة، ومحتضن اللّغة العربيّة. رغم ثقافته واطّلاعه على لغات الغير. كان قد أدرك تمام الإدراك أنّ المناهضة الحقيقيّة تكمن في نهضة الهويّة واللّغة. مرتئيًا أنّ الخسارة العظمى للعرب ليست في غضارتهم وثرواتهم المنهوبة، بل في هويتّهم ولغتهم المسلوبة. في ذلك الفقد التّدريجي للانتماء، والضّياع التّراجيديّ للّسان. فاختار العربيّة لسانَ حاله وحديثه، لا لأنّها الأسهل، بل لأنها الأنبل، الأصدق، والأعمق. كانت العربيّة في أدب منيف خيطًا أبيضًا يربطه بالأرض والانسان، وخندقًا أخيرًا ضدّ السّفَه والنّسيان، وقنبلة موقوتةً تفضح بانفجارها معالم الاستعمار: العسكريّ والثّقافيّ والنفطيّ سيّان. وشمعةً تشعل فتيل اللّغة في النّفوس، فترسم بشعلتها ملامح الوعي والإحسان.
ختامًا
وبين مَن أوهنوا وشائجهم بالمحتلّ ولغته، ومَن أسقطوا من لغته فرفعوها سلاحًا مدويًا في وجهه، ومَن اِحتموا بمحراب لغتهم الأمّ وعصمته، تترفّع اللّغة في أجلّ وأمجد معانيها: جسرٌ يصل بعابره إلى سَحنة الذّاكرة ومرأى الهويّة. ومحفل تنازع وجوديّ، يُغلب فيه المستوطِن على أمره قد خاب شأنه وانخذل، ويَغلب فيه الوطن في أمره، عظُم شأنه وانبجل.



👏🏻👏🏻